الغزالي
24
إحياء علوم الدين
كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [ 1 ] « إنّى لأمزح ولا أقول إلَّا حقّا » إلا أن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا . وأما غيره إذا فتح باب المزاح ، كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّ الرّجل ليتكلَّم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها في النّار أبعد من الثّريّا » وقال عمر رضي الله عنه ، من كثر ضحكه ، قلت هيبته ، ومن مزح استخف به ، ومن أكثر من شيء عرف به ، ومن كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه قل حياؤه ، ومن قل حياؤه قل ورعه ، ومن قل ورعه مات قلبه ، ولأن الضحك يدل على الغفلة عن الآخرة قال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا « . وقال رجل لأخيه يا أخي ، هل أتاك أنك وارد النار ؟ قال : نعم ، قال . فهل أتاك أنك خارج منها ؟ قال : لا قال . ففيم الضحك ؟ قيل فما رئي ضاحكا حتى مات ، وقال يوسف بن أسباط أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك . وقيل : أقام عطاء السلمي أربعين سنة لم يضحك . ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في عيد فطر ، فقال : إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين ، وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين . وكان عبد الله بن أبي يعلى يقول ، أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار ! وقال ابن عباس ، من أذنب ذنبا وهو يضحك ، دخل النار وهو يبكى . وقال محمد بن واسع : إذا رأيت في الجنة رجلا يبكى ، ألست تعجب من بكائه ؟ قيل بلى ، قال . فالذي يضحك في الدنيا ولا يدرى إلى ما ذا يصير هو أعجب منه فهذه آفة الضحك . والمذموم منه أن يستغرق ضحكا . والمحمود منه التبسم الذي ينكشف فيه السن ، ولا يسمع له صوت . وكذلك كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 4 ] قال القاسم مولى معاوية [ 5 ] أقبل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، على قلوص له صعب